الآلوسي
207
تفسير الآلوسي
من آثار الأمم الماضية وعلامات هلاكهم ، والهمزة للانكار والواو للعطف على مقدر يليق بالمقام على رأي أي أقعدوا ولم يسيروا ، وقوله تعالى : * ( وَكَانُوا أَشَدَّ منْهُمْ قُوَّةً ) * في موضع الحال بتقدير قد أو بدونها . * ( وَمَا كَان اللَّهُ ليُعْجزَهُ ) * أي ليس من شأنه عز شأنه أن يسبقه ويفوته * ( منْ شَيْء ) * أي شيء ومن لاستغراق الأشياء * ( في السَّمَوات وَلاَ في الأَرْض ) * هو نظير * ( لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ) * والواو حالية أو عاطفة . وفي الإرشاد الجملة اعتراض مقرر لما يفهم مما قبله من استئصال الأمم السالفة ، وظاهره أن الواو اعتراضية . * ( إنَّهُ كَانَ عَليماً قَديراً ) * مبالغاً في العلم والقدرة ، والجملة تعليل لنفي الإعجاز . * ( وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَاكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً ) * . * ( وَلَوْ يُؤَاخذُ اللَّهُ النَّاسَ ) * جميعاً * ( بمَا كَسَبُوا ) * فعلوا من السيئات كما واخذ أولئك * ( مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرهَا ) * أي ظهر الأرض وقد سبق ذكرها في قوله تعالى : * ( في السماوات ولا في الأرض ) * فليس من الاضمار قبل الذكر كما زعمه الرضى ؛ وظهر الأرض مجاز عن ظاهرها كما قال الراغب . وغيره ، وقيل : في الكلام استعارة مكنية تخييلية والمراد ما ترك عليها * ( منْ دَابَّة ) * أي من حيوان يدب على الأرض لشؤم المعاصي ، وقد قال سبحانه * ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ) * وهو المروى عن ابن مسعود ، وقيل : المراد بالدابة الانس وحدهم وأيد بقوله تعالى : * ( وَلَكنْ يُؤخِّرُهُمْ إلَى أَجَل مُّسَمًّى ) * وهو يوم القيامة فإن الضمير للناس لأنه ضمير العقلاء ويوم القيامة الأجل المضروب لبقاء نوعهم ، وقيل : هو لجميع من ذكر تغليباً ويوم القيامة الأجل المضروب لبقاء جنس المخلوقات * ( فَإذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإنَّ الله كَانَ بعبَاده بَصيراً ) * فيجازي المكلفين منهم عند ذلك بأعمالهم إن شرا فشر وإن خيراً فخير ، وجملة " فإن الله " الخ موضوعة موضع الجزاء والجزاء في الحقيقة يجازي كما أشرنا إليه ، هذا والله تعالى هو الموفق للخير ولا اعتماد إلا عليه . ومن باب الإشارة : * ( الحمد لله فاطر السماوات والأرض ) * إشارة إلى إيجاد عاملي اللطافة والكثافة وإلى أن إيجاد عالم اللطافة مقدم على إيجاد عالم الكثافة ، ويشير إلى ذلك ما شاع خلق الله تعالى الأرواح قبل الأبدان بأربعة آلاف سنة * ( جاعل الملائكة رسلاً ) * في إيصال أو أمره من يشاء من عباده أو وسائط تجري إرادته سبحانه في مخلوقاته على أيديهم * ( أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع ) * إشارة إلى اختلافهم في الاستعداد * ( يزيد في الخلق ما يشاء ) * ( فاطر : 1 ) عام في الملك وغيره ، وفسرت الزيادة بهبة استعداد رؤيته عز وجل للذين أحسنوا الحسنى وزيادة * ( ما يفتح الله للناس من رحمة ) * الزيادة المشار إليها وغيرها * ( فلا ممسك لها وما يسمك فلا مرسل له من بعده ) * ( فاطر : 2 ) فيه إشارة إلى أن رحمته سبحانه سبقت غضبه عز وجل * ( وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك ) * ( فاطر : 3 ) تسلية لحبيه صلى الله عليه وسلم وإرشاد لورثته إلى الصبر على إيذاء أعدائهم لهم وتكذيبهم إياهم وإنكارهم عليهم * ( والله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها ) * ( فاطر : 9 ) جرت سنته تعالى في أحياء الأرض بهذه الكيفية كذلك إذا أراد سبحانه احياء أرض القلب فيرسل أولا رياح الإرادة فتسير سحاب المحبة ثم يأتي مطر الجود والعناية فينبت في القلب رياحين الروح وأزهار البسط ونوار الأنوار ويطيب العيش . * ( من كان يريد العزة فلله العزة جميعاً ) * ( فاطر : 10 ) إشارة إلى أن العزة الحقيقية لا تحصل بدون الفناء ، ولا تغفل عن حديث " لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل " الخ * ( والله خلقكم من تراب ) * وهو أبعد المخلوقات من الحضرة وأسفلها